نسخة مُيسّرة للقارئ غير المتخصص: تشرح المصطلحات عند أول ورودها، وتفرّق بين المعطى التاريخي المؤكد والتفسير المختلف عليه، وتعرض مواقف الأطراف من داخل سياقها، وتنتهي بخلاصة تنفيذية وجداول مرجعية.
«السلفية» كلمة تُردَّد اليوم أكثر مما تُفهم. تُستعمل أحيانًا بمعنى مذهب عقدي عريق له امتداد ألف سنة، وأحيانًا بمعنى حركة إصلاحية حديثة لا يتجاوز عمرها قرنًا ونصفًا، وأحيانًا بمعنى شبكة تيارات سياسية بعضها سلمي وبعضها حمل السلاح. من هنا تنشأ معظم الالتباسات في النقاش العام: طرف يجمع هذه المعاني كلها في كتلة واحدة ليحاكمها، وطرف يفصل بينها ليعفي أصحابها من التبعات. مهمة هذا التقرير أن يفرّق ولا يدمج، وأن يشرح كيف صارت الكلمة الواحدة تحمل ثلاثة معانٍ متباعدة، ولماذا يتنازع عليها أهلها قبل خصومهم.
التقرير مبني على ثلاثة أجزاء متدرجة. الجزء الأول (الفصول ١–٣) يتناول المعنى والأصول: ما تدلّ عليه الكلمة، وما الجذور العقدية والتاريخية التي تستند إليها. والجزء الثاني (الفصول ٤–١٠) يتابع التشكّل والتفريع: كيف انتقلت من إرث قديم إلى حركة في القرن الثامن عشر، ثم إلى شبكة تيارات في القرنين العشرين والحادي والعشرين، وكيف تختلف مواقفها في السياسة والمجتمع. والجزء الثالث (الفصول ١١–١٥) يتناول النقد والدفاع، ثم الترجيح محورًا محورًا، وينتهي بالحصيلة الحالية والخلاصة التنفيذية، وبعدها ملاحق مرجعية.
لمن يريد مسارًا مختصرًا: اقرأ الفصل الأول (المصطلح)، ثم الفصل الثالث (العقيدة)، ثم الفصل السادس (التيارات المعاصرة)، ثم الفصل الثالث عشر (الترجيح)، ثم الخلاصة التنفيذية. هذه خمسة فصول تكفي لتكوين صورة صحيحة عن الموضوع. أما من يريد الصورة الكاملة فالترتيب الطبيعي للفصول هو المسار، والملاحق تعمل كمرجع سريع لا يُقرأ من أول إلى آخر.
أولًا، في التسمية. «السلفية» في هذا التقرير اسم يُطلقه أصحابه على أنفسهم (تسمية ذاتية)، ويُطلق في الدراسات والأخبار على جماعات وأفراد يربطهم اشتراك في جملة أصول عقدية ومنهجية، لا في تنظيم واحد ولا في موقف سياسي واحد (تسمية وصفية). والتسمية الوصفية أوسع من الذاتية: بعض من يُوصف بأنه سلفي لا يقبل الوصف، وبعض من يقبله يختلف مع بقية الموصوفين اختلافًا حادًّا. من هنا يصحّ القول إن «السلفية» أشبه بعائلة لغوية واحدة تتفق في المقدمات العقدية وتفترق في النتائج السياسية والفقهية.
ثانيًا، في الحياد. لا يهدف هذا التقرير إلى إثبات صحة عقيدة أو نفيها، ولا يقدّم فتوى ولا ترجيحًا شرعيًا بين الفرق؛ فهو ليس نصًّا داخل النقاش الديني بل وصف له. ما يقدّمه هو تحديد موقع كل قول، وعرض أدلته، وبيان ما يترتب عليه، ثم تمييز المسائل التي حُسِمت بالبحث من المسائل التي تبقى رهينة الاجتهاد. القارئ الباحث عن حكم شرعي صريح لن يجده هنا؛ والقارئ الباحث عن فهم بنية الظاهرة ومفاصل الخلاف هو المقصود بهذا العمل.
ثالثًا، في الأرقام. لا توجد إحصاءات دينية رسمية موثوقة في معظم الدول الإسلامية، وما يُنشر من أرقام عن عدد «السلفيين» أو نسبتهم هو تقدير اجتهادي مبني على مؤشرات غير مباشرة: عدد المساجد، وحضور المشاهير الرقميين، ونتائج الانتخابات، وحجم الطبعات، وأعداد الطلاب في الجامعات الدينية. سيعتمد التقرير على الأوصاف النوعية أكثر من الأعداد، وحين يضطر إلى رقم سيُصرّح بأنه تقدير لا إحصاء.
رابعًا، في التواريخ. تُذكر التواريخ الميلادية أساسًا، ومتى أُضيف التاريخ الهجري فبصيغة (هـ) للدلالة على أنه هجري؛ لأن معظم المصادر السلفية التقليدية تؤرخ هجريًّا، وخلط التقويمين من أكثر مصادر الخطأ عند القارئ غير المتخصص.
خامسًا، في المصادر. يُبنى التقرير على طبقتين: النصوص المرجعية داخل التيار (رسائل وفتاوى ومقررات الدورات العلمية)، والأدبيات الأكاديمية المنشورة في الدوريات والمجاميع المحكّمة. والملحق (و) يضم قائمة قراءات مقترحة مع تمييز نوع كل مصدر: نص أصلي، أم دراسة أكاديمية، أم تقرير صحفي.
«السَّلَف» في اللغة: المتقدمون، ومن هنا «سلف الرجل» أي آباؤه ومن تقدّمه. وفي الاستعمال الشرعي القديم ظهرت عبارات مثل «مذهب السلف» و«طريق السلف» و«سلف هذه الأمة» للدلالة على الصحابة والتابعين ومن اتبعهم من الأئمة المشهورين، لا على جماعة منظمة ولا على مذهب مستقل له مؤسس واسم. وكان المتقدمون يستعملون العبارة للاحتجاج بمرجعية تاريخية: أن الفهم الصحيح للنص إنما يُؤخذ من الجيل الأول ومن تلاه. وهذا الاستعمال الوصفي موجود عند مدارس كثيرة داخل السنة، لا عند تيار واحد؛ فهو بهذا المعنى رصيد مشترك لا علامة خاصة بحركة دون غيرها.
أما صيغة الاسم «السلفية» و«السلفيون» بوصفها تسمية جماعة، فهي متأخرة نسبيًّا. يذهب الباحث المتخصص هنري لوزيير، في دراسة موسّعة عن تاريخ المصطلح، إلى أن «السلفية» بالمعنى الذي نعرفه اليوم لم تكن تسمية مستقرة عند أهل الحديث قبل مطلع القرن العشرين، وأن الكلمة نفسها اشتُغلت في القرنين التاسع عشر والعشرين لمدلولات شديدة التباعد: فقد حضرت في مصر بلغة الإصلاح الديني العقلاني الذي دعت إليه مجلة المنار ومحيطها، وكانت في هذا السياق تعني غالبًا التجديد والانفتاح على الاجتهاد الفقهي؛ ثم انتقلت — عبر مفاصل تاريخية عدة — لتدلّ على المعنى العقدي الضيّق والمنهج المتفرّد الذي صار هو المعنى السائد اليوم.
هذه الملاحظة ليست تفصيلًا لغويًّا، بل هي مفتاح الصورة كلها: كلمة واحدة حملت ثلاث مراحل تاريخية متباعدة. من لم يعرف ذلك ظنّ أن كل من قال «سلفي» يقصد المعنى نفسه، فتلخبطت عليه الدوائر؛ ومن يعرفه يفهم كيف يصنّف الباحثون حركات تبدو متناقضة — سلفية إصلاحية عقلانية، وسلفية نصّية رافضة للاجتهاد العقلاني، وسلفية ثورية مسلّحة — في خانة واحدة.
سنستخدم «السلفية» بالمعنى الوصفي الواسع: تيار من المسلمين اليوم يجمعه إيمان إجمالي بثلاثة أصول — أن وحي النص مقدَّم على العقل، وأن الصفات تُثبت بلا تكييف، وأن الاتباع للسلف مرجعية حاكمة في الفهم. فمن شارك في هذه الأصول الثلاثة وُصف بالانتماء إلى التيار، حتى لو رفض اللقب ولاحق من أطلقه عليه، وحتى لو اختلف أشد الاختلاف مع بقية أهل التيار في السياسة والجهاد وطاعة الحاكم.
السلفيون لا يعتبرون بدايتهم حديثة، بل يرون أنفسهم استمرارًا لمنهج قديم يُسمّى منهج «أهل الحديث» أو «أهل الأثر». وأيًّا كان التقييم، فإن فهم التيار اليوم لا يستقيم دون معرفة هذه الطبقات الأربع: طبقة المحنة، وطبقة التأصيل، وطبقة التلخيص عند ابن تيمية، ثم الطبقة الإصلاحية الحديثة.
في القرنين الثاني والثالث الهجريين تشكّلت جماعة من المحدّثين حول مبدأ واحد: أن يُؤخذ الاعتقاد من النصوص لا من المقولات الكلامية، وأن تُترك مسائل الصفات بلا تشبيه ولا تعطيل. ومن أوثق وثائقهم المبكرة رسالة أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) في الرد على الجهمية، ثم نصوص تلاميذ مدرسته مثل عثمان بن سعيد الدارمي والخلال والبربهاري.
وأهم مواجهة عقدية في تاريخ السنة هي ما عُرف بفتنة القول بخلق القرآن: سلطة سياسية تتبنّى عقيدة عقلانية محدّدة وتطلب من الفقهاء الإقرار بها، وفقهاء يرفضون الخضوع. وقد انتهت هذه المحنة إلى إبراز أحمد بن حنبل مثالًا أعلى في تحمّل السوط والسجن دون منازعة، فصار اسمه في الوجدان السنّي شعار «الثبات على الحق أمام السلطة». ومن هذه النقطة يبدأ التيار الذي يُعرف اليوم بأهل الحديث، ويسميه خصومه «الحشوية»، ويسمّي نفسه «أهل السنة والأثر».
مع القرنين الرابع والخامس حدث تحول مهم: لم تعد مدرسة الحديث تُنتج موقفًا فقط، بل بدأت تُنتج منهجًا مرتبًا؛ فظهرت المصنّفات في «الأسماء والصفات» و«الرد على الجهمية» و«السنة» مبوبة ومنظمة، وتوضّحت خطوط المقابلة مع التيارات الكلامية: الأشعرية التي نشأت من تحكيم العقل مع تأخير النصوص في باب الصفات، والمعتزلة التي مضت أبعد في التحكيم. ومن هذه المرحلة نشأ ما يمكن تسميته «الوعي العقدي المتميّز»: قائمة مسائل يُعتبر من خالف فيها خارجًا على أهل السنة — وهذا هو أصل أطول خصومة في تاريخ الفرق الإسلامية، بين الحنابلة المتأخرين والأشاعرة في مسائل الصفات قولًا وفهمًا.
ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ / ١٣٢٨ م) هو الركن الأعظم في بناء السلفية الحديثة. فقد جمع التراث المتناثر وصاغ منه أصولًا: أن صفات الله لا تشبه صفات المخلوقين وأن إمرارها كما جاءت هو المذهب، والردّ على المنطق والفلسفة وعلم الكلام ردًّا مطوّلًا، وتحرير مسائل الإيمان والبدعة والأسماء والأحكام. ومنه أخذ المتأخرون لغة «إثبات الصفات» و«مذهب السلف» و«موافقة الشرع للعقل الصريح» — أي أن الشرع لا يعارض العقل السليم بل يكمله.
وتلميذه ابن القيم (ت ٧٥١ هـ / ١٣٥٠ م) نقل هذه الأصول من صورتها الجدلية إلى صورة تعبّدية تربوية: الإيمان في كتبه يبدأ من الوجدان لا من التنقيح، فكتبه في السلوك والمحبة والخوف والرجاء — كـ«مدارج السالكين» و«حادي الأرواح» و«شفاء العليل» — طبعت خطاب المدرسة بنبرة عملية روحية، وهي جزء من سبب انتشارها في الجمهور الواسع لا في دائرة المتخصصين وحدها.
في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وقعت طبقة رابعة مؤثرة، سابقة على ظهور اللقب الحالي. ويمكن تمييز ثلاث أذرع فيها: ذراع في الجزيرة العربية تنادي بالتوحيد ونبذ البدع (وسنفصّل في الفصل الرابع)، وذراع في مصر والشام تجمع بين الاتباع للنص والاجتهاد الفقهي (حركة المنار)، وذراع في الهند وباكستان تنادي بمنهج «أهل الحديث» في الحديث والفقه. وهذه الأذرع الثلاث لم تكن متوحّدة فكريًّا: فحركة المنار أقرب إلى المعنى الإصلاحي العقلاني، وخريجوها توزّعوا على مشارب كثيرة؛ ثم ضاق المعنى العقلاني تدريجيًّا وفسح المجال، في النصف الثاني من القرن العشرين، للمعنى العقدي المنهجي الذي انتهت إليه «السلفية» كما نعرفها اليوم.
يمكن اختصار العقيدة السلفية في جملة واحدة: النص قبل النظر، والإثبات قبل التأويل، والاتباع قبل الابتداع. وهي جملة تبدو بسيطة، لكن كل خصومة داخل التيار وخارجه تدور عمليًّا على معنى «قبل» في كل جزء منها: هل تقديم النص تقديم مطلق أم في الإلهيات فقط؟ وهل «الإثبات بلا تكييف» إثبات حقيقي أم تأخير للفهم؟ ومن هو «السلف» الذي يُتبع؟ هذا الفصل يرسم الأصول كما يصوغها أهلها، ثم يبيّن مواضع الخلاف الداخلي والخارجي في كل أصل.
المدخل التعليمي الأشهر عند السلفيين هو تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية (إفراد الله بالخلق والملك والتدبير)، وتوحيد الألوهية (إفراده بالعبادة: الدعاء والخوف والرجاء والذبح والنذر)، وتوحيد الأسماء والصفات (إثبات ما أثبته الله لنفسه من غير تحريف ولا تكييف). ويؤكد الخطاب السلفي أن إجماع الرسل إنما كان على القسم الثاني، لأن أممًا كثيرة أقرّت بالربوبية وأنكرت العبادة لغير الله؛ ومن هنا يرى التيار أن صرف أي عمل من أعمال العبادة إلى غير الله هو الشرك الأكبر الذي لا يُغفر لصاحبه إن مات عليه.
وتجدر ملاحظة تحليلية مهمة: يرى بعض الباحثين أن هذا التقسيم الثلاثي، بصورته المدرسية الصارمة وبتفريعاته، تقرّر في مرحلة متأخرة ثم صار لاحقًا مدخلًا إلزاميًّا في مقررات التعليم الديني، فرتّب ذلك أن «التوحيد» صار علمًا مستقلًّا له منهج تعليمي، لا بابًا في كتاب واحد كما كان عند الأئمة المتقدمين. وهذه الملاحظة لا تنفي أن أصل التقسيم موجود في كتب المتقدمين، لكنها تفرّق بين النص التراثي وبين الصيغة التعليمية الحديثة. وهي مسألة إجرائية بين أهل العلم، لا ينبني عليها تصنيف كفر ولا إيمان.
القاعدة المؤسِّسة هي: تُثبَت الصفات كما وردت، من غير تشبيه بالمخلوقين، ومن غير تعطيل للمعنى، ومن غير تأويل. ولا يُسأل «كيف؟»؛ وهذا هو جوهر مصطلح «بلا كيف». ويُبنى على هذه القاعدة رفض ثلاثة مناهج: التعطيل عند المعتزلة، والتأويل عند الأشعرية والماتريدية في مسائل معيّنة، والتشبيه عند من وصفهم خصومهم بذلك. ولِشدة الاحتكاك في هذه المسألة صارت «مسألة المسائل» في التصنيف العقدي، وبها يُخرِج كثير من الأطراف مخالفيهم من دائرة أهل السنة.
ومن المفيد قراءة هذه المسألة في سياقها الأدقّ، لأن الخصوم يتبادلون الاتهام في المعنى نفسه: يقول الخصم للسلفي إن قولك يفضي إلى التجسيم، فيجيب السلفي بأن إثبات الصفة بلا تكييف هو عين التنزيه، لأن التشبيه إنما يلزم من إثبات «كيف» أو «شكل»، لا من إثبات ما أثبته النص. وهذا هو محلّ النزاع الحقيقي: هل مجرد إثبات الصفة بغير كيف إثباتٌ صحيح أم صيغة لفظية تؤخّر الفهم؟ وهذه مسألة لم تُحسَم في ألف سنة من الجدل، ولن تُحسَم بجملة واحدة هنا.
| المحور | السلفية الأثرية | الأشعرية | الماتريدية | المعتزلة |
|---|---|---|---|---|
| النصوص والصفات | إثبات بلا كيف ولا تأويل | تأويل في بعضها وتفويض في بعضها | تفويض أو إثبات بلا تكييف | تنزيه بالمجاز والتعطيل |
| العقل والنقل | النقل مقدَّم والعقل موافق | العقل مقدَّم في مسائل عدة | النقل مقدَّم غالبًا | العقل أصل قبل النقل |
| الإيمان | قول وعمل يزيد وينقص | تصديق قلبي | تصديق وإقرار | قول وعمل مع الوعد والوعيد |
| مرتكب الكبيرة | مؤمن فاسق لا يُكفَّر | مؤمن عاصٍ لا يُكفَّر | مؤمن عاصٍ لا يُكفَّر | منزلة بين منزلتين |
| كلام الله | صفة قديمة بالحروف، غير مخلوق | كلام نفسي قديم | كلام نفسي قديم | مخلوق |
| الرؤية في الآخرة | ثابتة بلا إحاطة ولا كيف | ثابتة بالعقل والسمع | ثابتة | ممتنعة عقلاً |
| التكفير | بشرط قيام الحجة وارتفاع المانع | ليس بالمعاصي | ليس بالمعاصي | في الكبيرة على خلاف بينهم |
الإيمان عندهم قول وعمل، يصحّ ويزيد وينقص؛ فهم لا يكفّرون بالذنب كما تفعل الخوارج، ولا يقولون كما يقول بعض المتكلمين إن العمل ليس من ماهية الإيمان أصلًا. وأثره العملي أن التقصير في العمل عندهم لا يُبطل أصل الإيمان، ولا يُبنى عليه قطع بالكفر، خلافًا لمن يجعل العمل شرطًا في صحته.
ويأتي مفهوم البدعة بعد الإيمان في الأهمية: فكل عمل لم يُشرع يُرفض وإن قصد فاعله الخير، لأن العبرة عندهم بالمطابقة لا بصدق النية. ومن هنا كانت أكثر موارد خصومتهم مع الصوفية: الاحتفال بالمولد، والتوسل بالقبور، والمواسم، والذكر الجماعي، وما يُبنى على القبور من مشاهد ومزارات. وهذا الباب هو الذي أوصلهم إلى صياغة لغة فقهية واسعة في «الوسائل المفضية إلى الشرك» — وهي اللغة التي يُنتقدون عليها بأنها توسّع باب المنع توسّعًا يضيق به المعاش.
الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر لم تكن ولاية سياسية واحدة، بل مناطق قبلية متنازعة. وفي نجد على وجه الخصوص كانت السلطة ضعيفة والاجتماع مشتّتًا، وفي بعض قراها ممارسات دينية متوارثة: نذر لغير الله في مواضع معيّنة، وتوسّل بالقبور، وتعظيم لبعض الأشجار والأحجار. وكانت القبائل في هذا المحيط تعمل بالتجارة والرعي والغزو، وهو ما جعل السلطة فيه محلّ تنازع دائم. وفي هذا الفراغ السياسي نشأت الحركة التي غيّرت تاريخ جزيرة العرب وامتدادها.
وُلد محمد بن عبد الوهاب في العيينة سنة ١٧٠٣ م في أسرة قضائية معروفة، وأخذ الفقه عن أبيه، وتنقّل بين البصرة والمدينة وربما الشام، ثم عاد إلى نجد داعيًا، فبدأ في العيينة، ثم انتقل إلى الدرعية سنة ١٧٤٤ ليعقد هناك الحلف الذي أنتج الدولة السعودية الأولى. وتوفي سنة ١٧٩٢ م بعد أن قام كيان سياسي رعى الدعوة ونشرها.
في سنة ١٧٤٤ عقد محمد بن سعود ميثاق الدرعية مع محمد بن عبد الوهاب: يلتزم الأمير بالدعوة ونشرها والتمكين لها، ويلتزم الشيخ بالدعم الديني والتعليم والإرشاد. ومن هذا الحلف قامت الدولة السعودية الأولى (١٧٤٤–١٨١٨)، وامتد نفوذها إلى الحجاز وأجزاء من العراق والشام، ودخلت مكة سنة ١٨٠٦، قبل أن تُسقطها حملة إبراهيم باشا العثماني سنة ١٨١٨ ويهدم الدرعية. ثم قامت الدولة السعودية الثانية (١٨٢٤–١٨٩١) وقد ضعفت وانتهت بعد صراعات داخلية وسقوطها في معركة المليداء سنة ١٨٩١.
وجاءت الدولة الثالثة سنة ١٩٠٢ على يد عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ثم أُعلنت المملكة العربية السعودية رسميًّا سنة ١٩٣٢ ودخلت في إطارها المؤسسات الدينية بترتيبات جديدة. والمهم في هذا السياق أن الحركة لم تبق دعوة قائمة بذاتها بل ارتبطت بحلف ديني-سياسي: لا مستقلة عن الدولة ولا غالبة عليها، بل شريكة في السيادة؛ وهو ما يحكم مسار العلاقة بين المؤسسة الدينية والسلطة السياسية إلى يومنا.
حول هذه الحركة دار أطول خلاف في الدراسات: هل كانت دعوة إصلاحية دينية لا يُنسب إليها العنف، أم حركة سياسية ذات وجه قتالي؟ يعرض الجدول التالي أقوال الطرفين بصيغتها القوية، مع عمود ثالث يحاول حصر ما يمكن تأكيده بالتوثيق.
| الدعوى | الرأي الأول: دعوة إصلاحية محدودة | الرأي الثاني: حركة توسّعية ذات وجه قتالي | ما يمكن تأكيده تاريخيًّا |
|---|---|---|---|
| التكفير | قيّد التكفير بشروط وموانع وفرّق بين المعاند والجاهل في نصوصه الأولى. | توسّع التكفير عند أتباعه حتى صار وسيلة في الصراع المحلي والسياسي. | خطابه الأول مضبوط ومؤصل، لكن الفعل اللاحق لخلفائه أوسع منه. |
| القتال | كان دفاعيًّا أو جزاءً في سياق مواجهات قائمة. | كان ممارسة قائمة بذاتها، وطال كيانات مدنية ودعا إلى الغزو. | الوقائع تسجّل حملات عسكرية على الحجاز وأطراف العراق والشام في عهد الدولة الأولى. |
| التقليد والاجتهاد | دعا إلى الاجتهاد ونبذ التقليد وأحيا العلم والدرس. | تحوّل منهجه إلى مقرر نقدي للمذاهب الفقهية القائمة وذمّها. | الإحياء العلمي واقع، وقوة الخطاب العقدي واقع آخر لا يقلّ عنه. |
شهد القرن العشرون التحول الأهم في تاريخ التيار: من دعوة محلية في نجد إلى شبكة ممتدة من المحيط إلى المُحيط تقريبًا. ويمكن ردّ هذا التحول إلى خمسة عوامل متداخلة: النفط الذي منح السلطة السعودية قدرة تمويلية هائلة، والمؤسسات التعليمية الدينية التي خرّجت أجيالًا مشتركة المرجعية، والهجرة إلى المدن والعمالة الوافدة التي نقلت الخطاب، ثم صدمات عام ١٩٧٩، ثم أخيرًا شبكات الطلاب والمنظمات الخيرية التي عملت في أفغانستان وما حولها. هذا الفصل يتابع هذا التشكّل في أربع محطات.
أُسِّست الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة ١٩٦١، وصارت منذ ذلك الحين محطة مفتاحية لكل من يريد التخصص في العلوم الشرعية بأسلوب سلفي: مناهج موحّدة، ومقررات في العقيدة والحديث وأصول الفقه، ومنح دراسية للطلاب القادمين من أفريقيا وآسيا وأوروبا. ثم أنشئت هيئة كبار العلماء بالمملكة سنة ١٩٧١، وتأسست الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، وتوسّعت كليات الشريعة وفروع الجامعات الدينية. والنتيجة العملية أن التيار لم يبقَ مجموعة من الأفراد المتشابهين في المزاج، بل صار له جهاز تعليمي وفتوائي ومرجعي له سلسلة إسناد معرفية: طالب يدرس على شيخ، وشيخ مأخوذ عنه في الأجيال التالية.
محمد ناصر الدين الألباني (١٩١٤–١٩٩٩) سوري المولد، عمل في دمشق مُصلحًا للساعات ثم اتجه إلى علم الحديث فاشتهر بتحقيقه وتخريجه، ثم انتقل في السنوات الأخيرة من حياته إلى عمّان، وتوفي بها. وله مشروع ضخم في تصحيح الحديث وتضعيفه («سلسلة الأحاديث الصحيحة»، «سلسلة الأحاديث الضعيفة»، وتحقيقات على كتب السنة)، صار المصدر الأول الذي يعتمد عليه كثير من طلاب العلم لتحديد صحيح السنة وضعيفها، مع أن مشروعه وقع محلّ نقد شديد من بعض المحدّثين لتساهله في التصحيح أو تشدّده في التضعيف في مواضع معينة.
وخطابه المركزي هو «التصفية والتربية»: تصفية السنة من الضعيف والدخيل أولًا، ثم تربية الناس على ما ثبت. ومن آثار ذلك أن كثيرًا من الممارسات الشعبية والمرويات المشهورة تضعّف وتُرفض، وأن مرجعية الحديث صارت تفوق في وزنها مرجعية مذهب فقهي بعينه. وهو رغم استفادته من ابن تيمية، لم يكن صاحب مدرسة تجديد كلامية بل صاحب سلطة رواية؛ ولذا يُحترم في التيار بوصفه «محدّثًا» أكثر مما يُتّبع كإمام مذهب.
لم يكن مناخ عام ١٩٧٩ وليد سنواته وحدها: فقد أضاف ارتفاع النفط بعد ١٩٧٣ قدرة إنفاق هائلة، وصار في مقدور السلطة أن تمول مساجد وجمعيات ودعاة في معظم الدنيا. ثم وقع ما لم يُتوقّع: احتلال جماعة مسلّحة للمسجد الحرام في أول سنة ١٤٠٠ هـ (نوفمبر ١٩٧٩)، والثورة الإيرانية في العام نفسه، ثم الغزو السوفيتي لأفغانستان. ومع هذه الصدمات الثلاث دخلت العلاقة بين السلطة والمؤسسة الدينية مرحلة جديدة: ضغط داخل السلطة للتمكين المتشدد من إعادة تعريف المشروعية، ومساحة أوسع للخطاب الديني في التعليم والإعلام.
ثم جاءت سنوات التسعين التي وُلدت فيها «الصحوة» السعودية: تيار اجتمع فيه خطاب سلفي عقدي بفكر حركي ذي صبغة سياسية وإصلاح فكري. وبسبب حرب الخليج سنة ١٩٩٠، ظهر انشقاق صوتي داخل التيار: حركة نقدت سياسة استضافة القواعد الأجنبية، وحركة ترى أن مرجعية الفتوى الرسمية هي الحصن الذي يحمي البلاد، وحركة أخرى اختارت الجهاد خارجًا. وقد انتهى الأمر في منتصف التسعينيات إلى اعتقالات ومواجهات أضعفت الجناح الاحتجاجي داخل المملكة، وبقيت آثاره في اتجاهين: جناح طالب بالإصلاح السياسي بالخطاب الديني، وجناح خرج إلى العنف.
لا يُفهم تحوّل السلفية إلى ظاهرة عالمية دون الحرب الأفغانية (١٩٧٩–١٩٨٩). فملايين الدولارات والدعاية والطلاب والمقاتلين من كل البلاد توجهوا إلى هناك، وكان في مقدمتهم عبد الله عزام (١٩٤١–١٩٨٩)، وهو داعية إلى مشاركة في قتال كان يُصوَّر في خطاب ذلك الحين دفاعًا عن بلد مسلم، وأسامة بن لادن الذي صار لاحقًا قائدًا لمنظومة جمعت التمويل والشبكة والإدارة. وبعد انتهاء الحرب وعودة المقاتلين إلى بلدانهم في الثمانينات والتسعينيات، تشكّلت شبكات عابرة للحدود استثمرت التجربة والتدريب والرصيد الرمزي، فظهرت جماعات مسلحة في الجزائر ومصر واليمن والصومال وفي أرجاء أخرى، ثم أُعلن عن تنظيم القاعدة في نهاية التسعينيات، وصولًا إلى حوادث سبتمبر ٢٠٠١ التي فتحت مرحلة جديدة تمامًا في السياسة الدولية وفي السمعة المتصلة بالتيار.
أشهر ما يخطئ فيه القارئ الجديد أن يتعامل مع «السلفية» ككتلة واحدة. والحقيقة أن التيار يتفرّع اليوم إلى عائلات يختلف بعضها مع بعضها الآخر أشد من اختلافها مع خصوم خارجيين. وقد حاولت الدراسات الأكاديمية وضع تصنيفات لها، وأشهرها تصنيف قدّمه كوينتان ويكتوروفيتش سنة ٢٠٠٦ وقسّم فيه السلفيين إلى ثلاثة أنواع بحسب استراتيجيتهم: الأصوليون (purists) الذين يعملون بالدعوة والتعليم والتصفية والتزكية، والحركيون (politicos) الذين ينزلون إلى السياسة والقضايا العامة، والجهاديون (jihadis) الذين يبرّرون القتال المسلح.
وقد لقي هذا التصنيف نجاحًا واسعًا لأنه يجعل الظاهرة قابلة للفهم، لكنه تعرّض لنقد جوهري: فهو يفترض أن هذه الأصناف ثابتة ومنفصلة، بينما هي متحركة ومتداخلة؛ وهناك من ينتقل من صنف إلى آخر بحسب الظرف، وهناك من يجمع بين خطابين في الوقت نفسه. ويضيف ناقد آخر أن التصنيف يُخضع الظاهرة لمعيار واحد (العلاقة بالسياسة) ويُهمل الأبعاد الأخرى: العقدية، والاجتماعية، والاقتصادية. ولهذا تقدّم دراسات أخرى تصنيفات على أساس السياق المحلي والاقتصادي، لا على أساس الموقع من السلطة وحده.
| العائلة | المؤثر المرجعي | الموقف من السلطة | الموقف من العنف |
|---|---|---|---|
| العلمية التقليدية | ابن باز وابن عثيمين ورابعة المدخلي | طاعة وترك الخروج | منع صريح |
| السرورية | محمد سرور + الإخوان | نقد ومواجهة سلمية | منع في العادة |
| الحركية/الصحوية | مرجعية عقدية أثرية + مناهج حركية | مساومة ومشاركة انتخابات | يختلف بحسب البلاد |
| الجهادية | عبد الله عزام وأبو محمد المقدسي وأبو قتادة | رفض شرعية الحكام | تبرير مسلّح |
| الرقمية | شيوخ منصات بلا إجازة منضبطة | متغيّر | متغيّر |
يمكن حصر أهم ما يتنازع عليه أهل التيار أنفسهم في خمس مسائل: (١) الخروج على الحاكم: محرّم بالخروج الجماعيَّ في قراءة الجمهور الأوسع، ومحلّ نقاش في قراءة أخرى. (٢) الجهاد: هل هو «دفع» يُردّ به المعتدي ويُقيّد بإذن ولي الأمر، أم هو «طلب» يُبتدأ به؟ وكتب السلفيين في هذا الباب مليئة بالتفصيل، لكن الخلاف الحقيقي هو الفرق بين ما يُقرَّر على الورق وما يُمارَس في الواقع. (٣) التكفير: هل يُطلق على المعيّن أم يُقيَّد بالشروط والموانع؟ وما درجة أثر السياسة في القرار فتوى؟ (٤) المشاركة في الانتخابات والبرلمانات: فحكمها اليوم من أوسع مواضع الاختلاف، لأنها في نظر بعضهم تشريع بغير ما أنزل الله، وفي نظر بعضهم الآخر «مصلحة راجحة». (٥) التحزب والمؤسسات المدنية: هل يجوز الانضمام إلى جمعيات وأحزاب، أم أن المطلوب جماعة واحدة؟ وكل ذلك من داخل عقيدة واحدة.
ظهر في الأدبيات الأكاديمية الحديثة مفهوم يرسم حركة قد تكون الفصل التالي في تاريخ التيار: «ما بعد السلفية» (Post-Salafism). ويراد به ظواهر متعددة: تراجع مركزية العقيدة في تشكّل الجماعات الجديدة، وتفتّت مرجعية الشيخ الفردي لصالح تجمّعات رقمية، وتوسّع «المراجعات» وطرح أسئلة كانت مسدودة، ودخول النقاش في الدين والمجتمع بمفاهيم حقوقية أو مواطنية. وبعض هذه الظواهر تحوّل حقيقي في الخطاب، وبعضها مجرد تغيير في التعبير بلا تحوّل في المضمون — وهو ما نبّه إليه باحثون في دراسات منشورة بعد ٢٠٢٠، رصدوا انتقال جماعات من «حمل العقيدة» إلى «الاشتغال بالتراث» بحثًا وفهمًا، لا تحصيلًا لليقين المذهبي وحده.
من الخطأ أن يُتصوّر التيار شبكة موحّدة تُدار من مركز واحد: فما يجمعه هو العقيدة والمنهج المرجعي، لا جهاز منظم. ولهذا كان إنتاجه مختلفًا في كل بيئة بحسب طبيعة الدولة وقانونها واقتصادها وعلاقتها بالمؤسسة الدينية. ويمكن تمييز ست بيئات رئيسية، لكل منها أشكال تنظيمية وتحديات مختلفة.
السعودية هي المرجع الرمزي، لوجود هيئة كبار العلماء والرئاسة العامة للبحوث والإفتاء والجامعة الإسلامية بالمدينة، ولأن نشر الكتب والمقررات يمرّ في كثير من الأحيان بقنواتها. وفي الكويت والبحرين وقطر، نشأت تجمعات دعوية ذات مؤسسات ووقف وجمعيات. وفي اليمن أُسّس دار الحديث بدمّاج على يد مقبل بن هادي الوادعي (١٩٣٣–٢٠٠١) فصار من أشهر مراكز السلفية التعليمية في الجزيرة، وتخرّج فيه طلاب من بلدان عدة، قبل أن تحاصره جماعة الحوثي في الصراع اليمني بعد ٢٠١١ وتُخرِج أهله منه.
وأهم ما يميّز هذه البيئة أن للسلفية فيها تاريخ علاقة مباشرة بالسلطة، فهي ليست «دعوة معارضة» بل مؤسسة مشاركة، وهذا يُفسّر موقفها المعتاد من الخروج على الحكام ومن العنف المسلح. تغيّر هذا الموقع بدأ يُقاس عليه كثير من التحولات الحديثة، وسنعود إليه في الفصل الرابع عشر.
في سوريا نشأ نشاط سلفي تعليمي في دمشق وحولها في سياق الخمسينيات والستينيات، ثم صعد بعدها خطاب أشدّ صِدامًا مع نظام البعث، وتغذّت مساحات الاصطفاء المسلح من أحداث حماة سنة ١٩٨٢ وما حولها. وفي الأردن استقرّ الألباني ومن معه من طلاب الحديث، فصار للأردن دور مرجعي في علم الحديث، وتزامن ذلك مع حضور خطاب جهادي صار له لاحقًا أثر كبير على مستوى العالم، ومن ذلك قيام شخصيات مثل أبو محمد المقدسي وأبو قتادة في هذه البيئة. ثم جاء الصراع السوري بعد ٢٠١١ فأعاد إنتاج أنواع جديدة من التشكّل، بعضها دعوي وبعضها مسلّح.
أما لبنان فقد تجمع النشاط في مدن مثل طرابلس وصيدا، وامتزج في السنوات الأخيرة بحضور مسلّح في شمال البلاد. والقارئ لا يحتاج حفظ الأسماء، لكن يحتاج حفظ هذه الحقيقة: البيئة المضطربة تنتج تنويعًا أكبر، والبيئة المستقرة تنتج مأسسة أكثر.
في مصر وُجد نشاط سلفي منظم منذ العشرينيات في جمعية أنصار السنة المحمدية (١٩٢٦)، وقد جمعت بين الإنكار على الممارسات الشعبية والدعوة إلى التوحيد ونشر الكتب. ثم تشكّل في السبعينيات فصيل طلابي في الإسكندرية عُرف بـالدعوة السلفية بالإسكندرية، كان تعليميًّا في أساسه ثم انفتح على العمل العام، وأصدر لاحقًا موقفًا سياسيًّا في لحظة ما بعد ٢٠١١. وقد وُلد من هذا الانفتاح حزب «النور» سنة ٢٠١١، ثم انقسم التيار بعد ذلك بين مؤيد للعمل الحزبي ومعارض له.
وفي الجزائر جمعت الحركة السلفية في الثمانينيات والتسعينيات بين دعاة ومؤسسات تعليمية وشبكات نشر، ثم دخل البلد بعد إلغاء الانتخابات سنة ١٩٩٢ في صراع مسلح استُدرج فيه الفكر الجهادي ليكون جزءًا منه. وفي المغرب مثّل تيار التجديد والإصلاح وأنشطته الدعوية جناحًا مهمًّا، بينما دفع التفجيرات التي وقعت سنة ٢٠٠٣ السلطات إلى إعادة تنظيم الحقل الديني كله وفرض نوع من «السلفية الرسمية المنضبطة». وفي ليبيا بعد ٢٠١١ نشأ جناح مدخلي واسع قريب من مؤسسات الشرق، وفي تونس بقي الحضور السلفي أقل حظًّا جماهيريًّا وأكثر صدامًا خصوصًا بعد ٢٠١١.
في نيجيريا قامت حركة إزالة سنة ١٩٧٨ على يد إسماعيل إدريس لتقوم على تعزيز التوحيد ونبذ الممارسات الشعبية، وانتشرت في البلاد وجنوب النيجر. وفي الصومال وشرق أفريقيا تداخلت الدعوة السلفية بسياق الأزمة السياسية والصراع الطويل، وفي إندونيسيا وماليزيا كان للطلاب العائدين من المدينة المنورة ومن معاهد متخصصة دور رئيسي في نشر الأصول السلفية منذ الثمانينيات. وفي باكستان والهند وبنغلاديش كان الامتداد الأقرب إلى تيار أهل الحديث، بما يجعل هذه العائلة من أوسع امتدادات التيار عددًا في جنوب آسيا.
وهنا يظهر فرق مهم عن الجزيرة العربية: في بيئات أفريقيا وآسيا تكون علاقة التيار بالمسائل الاجتماعية والاقتصادية أقوى منها بالمسائل السياسية الكبرى؛ فالشكل الغالب هناك هو جمعيات تعليمية وخيرية ومساجد ومدارس، مع حضور أصغر لكن أعنف لجماعات مسلّحة لا تُقاس إليها نسبة السكان.
تشكّل الحضور السلفي في أوروبا وأمريكا الشمالية من ثلاث موجات: طلاب عادوا من الجزيرة العربية جاؤوا بالمنهج والكتب، ثم مجموعات اجتماعية أوسع في مساجد المدن الصناعية، ثم أجيال من الشباب والمواقع الرقمية. والنتيجة أن الخطاب هناك غالبًا ما يكون مبنيًّا على العقيدة ومندفعًا إلى مسائل الهوية: كيف يكون المسلم في مجتمع غير مسلم، وكيف يبني مسجدًا أو مدرسة أو منظومة وسائل، ويختار المهنة والدراسة. وقد غيّرت سياسات الأمن ومكافحة الإرهاب، بعد ٢٠٠١ وما بعدها، شكل هذا الحضور وأدخلت أطرافًا منه في عمليات مراجعة ومراجعة مضادة في الوقت نفسه.
| البيئة | الشكل الغالب | ما يميّزها | التحدي الأكبر |
|---|---|---|---|
| الجزيرة العربية | مؤسسة دينية رسمية | مرجعية ومقررات وقدرة نشر | كسب شرعية مع تحوّلات الدولة السريعة |
| البلد العربي المشرقي | شبكات شيوخ ومراكز تعليمية | عمق في علم الحديث والفقه | الاضطراب السياسي وتحوّلات المشهد |
| مصر وشمال أفريقيا | تعليمي + حزبي+ مسلّح | انتشار في الريف والمدينة | الخروج من الصدام إلى المشاركة |
| أفريقيا | تعليمي خيري موسّع | التوحيد والصحة والتعليم | الفقر وضعف الموارد وضعف المؤسسات |
| جنوب وشرق آسيا | جمعيات ومدرسية أهل حديث | تأثير في عائلات كبيرة | التعدد الاجتماعي وتنوّع المذاهب |
| المهجر | مساجد صغيرة ومنصّات | حرّية النشر والتنظيم | سياسات مكافحة التطرف والاندماج |
للسلفيين فهم خاص للعلم الشرعي: العلم عندهم نقلٌ مضبوط قبل كل شيء. فالمطلوب أولًا حفظ النص وتحرير الرواية، ثم فهمه على ما فُهِم عن السلف، ثم العمل به. ومن هنا يتقدّم في منهجهم التعليمي: العقيدة، ثم علوم الحديث ومصطلحه، ثم الفقه وأدلته، ثم اللغة العربية. أما العلوم التي يسمّونها «علوم الآلة» العقلية كالمنطق والفلسفة وعلم الكلام، فموقفهم منها موقف المُتحفّظ: تُدرس للردّ عليها، لا لتكون أساسًا يُبنى عليه.
الطريق التعليمي التقليدي عندهم يقوم على المتون المحفوظة ثم شرحها ثم الإجازة: يحفظ الطالب نصًّا مختصرًا في العقيدة أو الحديث ثم يسمعه على شيخ ويقرأ شرحه، حتى يبلغ درجة يُجاز فيها بالرواية والتعليم. من أشهر هذه المتون: متن في العقيدة، والكتب الجامعة للأحاديث الأحكام، وكتب مصطلح الحديث، ومختصرات أصول الفقه. وهذا النظام يمنح المدرسة انضباطًا داخليًّا عاليًا وسلسلة إسناد معرفية، لكنه أيضًا يُعلي من قيمة الحفظ والمرجعية الشخصية على حساب التحرّر البحثي — وهي نقطة يلتقطها النقد.
تغيّر المشهد في العقدين الأخيرين تغيّرًا جذريًّا: دروس كان يخصص لها الطالب سنوات من الترحال صارت تُبَثّ مباشرة، وفتاوى كانت تُنتظر أسبوعًا صارت تُطلب في دقيقة، ورسائل دكتوراه لا تصل إلا بجهد صارت تُقرأ على الهاتف. وهذا أنتج جملة مكاسب وأخرى خسائر بحسب الفريق: مكسب يتمثل في انفجار عدد المتعلمين وسهولة الوصول إلى النصوص، وخسارة تتمثل في ضعف الالتزام بمنهج التلقّي، وسطحية التصدر، وتحوّل بعض الحضور الرقمي إلى ما يشبه «شيخ الشاشة» الذي لا يسهل التحقق من مؤهلاته العلمية الحقيقية.
والأثر الأهم أن سلطة المرجعية انتقلت من المجلس إلى المنصة، أي من شيخ بلا جمهور إلى شخصية قابلة للاستهلاك والتضخيم الرقمي، وتبعها تفتّت الجماعة العلمية إلى جزر لا يتحاكم أفرادها إلى مؤسسة واحدة. وهذه الملاحظة مربط الفرس في تفسير ظواهر «ما بعد السلفية»: عندما يفقد الحقل مركزه، تظهر عائلات جديدة، ويضعف «الجامع» الذي كان يُمسِك بتلك التيارات المتباعدة.
في كل بلد ذي مؤسسة دينية رسمية، تنشأ ثنائية بين فتوى رسمية معتمدة تُقدَّم من هيئة أو مفتٍ تتصل بالدولة، وفتوى موازية تُقدَّم من شيوخ مستقلين وقد تناقض الرسمي. وقد تتحوّل هذه الثنائية إلى ميدان صراع: الرسمي يتهم الموازي بالجهل أو التشدد، والموازي يتهم الرسمي بالمساومة وتبعية السلطة. ومن القضايا التي تظهر فيها هذه الثنائية بأوضح صورها: الفتاوى في المعاملات المالية الحديثة، وفي العلاقات مع غير المسلمين، وفي المواقف السياسية الكبرى. والقارئ المتعلم يجب أن ينظر في مصدر الفتوى ومؤسستها لا في مضمونها وحده، لأن السياق جزء من الفتوى نفسها.
يبقى أعقد سؤال أمام هذا المنهج هو: كيف يُنزَّل النص على واقع تغيّر في جذوره؟ تقول المدرسة للأجيال الجديدة بكثافة وصرامة: النص لا يُبدَّل، والقرون القديمة هي المقياس، وقد كان ذلك مصدرًا لقوّتها في الانضباط والثبات، ومصدرًا لضعفها في التعامل مع الوقائع الجديدة؛ فتجد فتوى في المعاملات البنكية لا تُسعف مواطنًا محتاجًا، وحكمًا في الاختلاط لا يستوعب واقع سوق العمل، وبقاء مسائل كبرى من العقود والمواطنة بلا نظر فقهي مستقر. ولا غرابة بعد ذلك أن يكون حسم الخلاف في هذه النقطة هو المادة الخام لمعظم ما مرّ في هذا التقرير من تفرّع.
إذا كانت العقيدة تجمع التيار، فالسياسة هي التي تفجّره من داخله. فالمسألة التي تبدو نظرية — علاقة المسلم بالسلطة — هي في الحقيقة العصب الذي منه تفرّعت العائلات التي عرضناها في الفصل السادس. وسنعرض هنا ثلاث مسائل: الطاعة أو الخروج، والمشاركة في العمل السياسي، والجهاد المسلح.
الموقف الغالب عند التيار هو تحريم الخروج المسلّح على الحاكم المسلم وإن كان فاسقًا أو جائرًا، استنادًا إلى نصوص في الصبر على جور الولاة، وتحذير من إثارة الفتنة، وقاعدة أن «الفتنة أشد من القتل». ويفسّرون بها أن الواجب بيان الحق بالنصيحة لا بحمل السلاح، وأن تغيير الجماعة السياسية بالسلاح يفتح بابًا من الشر أوسع من الشر الذي يُراد رفعه. وهذا الموقف ليس واحدًا بالتمام: فمنهم من يقيّده بأنه ما لم يظهر من الحاكم «كفر بواح»، ومنهم من يشترط القدرة والأمن من مفسدة أوسع، ومنهم من يقف عند المنع المطلق. لكن الخط الأساسي واحد: لا انقلاب ولا عصيان مسلح، ولا نزع للسلطة.
في هذه المسألة وقع أشهر اختلاف داخلي: فريق يرى في الدخول إلى البرلمانات مشاركة في تشريع مستمد من غير الشرع، ويرى أن الواجب اعتزال ذلك. وفريق آخر — يغلب عليه من كان أكثر احتكاكًا بالواقع — يرى في المشاركة «مصلحة راجحة» واستثمارًا للفرص. وقد فصّل هذا الخلاف في لحظة ما بعد ٢٠١١: فريق دخل الانتخابات ونال نسبًا معتبرة في برلمانات منتخبة، وفريق قاطع بعد أن عدّ الدخول حرامًا. ولم يبق بعد ذلك للموقف السلفي من الديمقراطية قول واحد، بل بقي السؤال العملي مفتوحًا: هل ينجح هذا التيار في التحوّل إلى أحزاب مستقرة، أم يتراجع أثره كلّما دخل معترك السياسة؟
يعرض الموروث الفقهي للجهاد على أنه يُشرع في حالتين: جهاد الدفع، وهو ردّ المعتدي، وجهاد الطلب، وهو ما يُبتدأ به بشروط ومقاصد وإذن الإمام. والخط السائد عند التيار المحافظ يربط الجهاد بإمرة وقيادة وإذن، ولهذا يرى كثير من السلفيين أن الجهاديين خرجوا على أصل الإمارة نفسه. أما الجهاديون فيبنون على أن «جهاد الدفع» لا يحتاج إذنًا، وأن البلاد التي حُلّت أو التي يُعتدى فيها على المسلمين تجعل النفير عامًّا، ومن هذه المقدمة الفكرية وُلدت خطابات العراق واليمن والصومال وسوريا.
وقد أنتجت السنوات الأخيرة شرخًا حقيقيًّا داخل التيار الجهادي، حين دخل تنظيم «داعش» في تكفير جماعي لواسع من المسلمين، وما استتبعه من قتال استهدف جماعات مسلحة أخرى ومقاتلين سُلفيين، فأخرج قواعد عريضة — من بينها منظّرون أسهموا في تأسيس فكر الجهادية نفسه — وشنّوا عليه نقدًا حادًّا. هذا الشرخ مهم لفهم الحالة الراهنة: أكثر من دفع الجهادية هو الجهادية نفسها. وقد وجد الخطاب السلفي التقليدي في هذا النقد مادة مهمة، لأنه يرى أن التكفير المطلق هو أصل البلاء.
| القضية | السلفية العلمية | السلفية الحركية | السلفية الجهادية |
|---|---|---|---|
| الخروج على الحاكم | محرّم مطلقًا | محرّم لكن مع نقد | جائز بالسلاح |
| الانتخابات | امتناع في الغالب | مساومة وقبول | رفض |
| الجهاد المسلح | دفعي وبإمرة | دفعي بشروط | دفعي بلا إذن |
| التكفير | مقيّد بالشروط والموانع | مقيّد نسبيًّا | مطلق وموسّع في بعض تجلياته |
| الجماعات الأخرى | تركها وعدم الخلط | محالفة ومناورة | تكفير للمخالف |
أكثر ما يلمسه الناس من التيار ليس العقيدة ولا السياسة، بل قواعد السلوك اليومي: كيف تلبس المرأة، وكيف تُربّى الأبناء، وما يُقال في المسلسلات والموسيقى، وكيف تُدار العلاقات بالجيران وغير المسلمين. وهذا الفصل يرسم هذه الصورة، مع التنبيه أن أكثر ما فيه اجتهادات متبدّلة لا أصولًا ثابتة، وأن كثيرًا مما يُنسب إلى «السلفية» سياسيًّا وإعلاميًّا هو في الحقيقة اجتهاد جماعة بعينها في بيئة بعينها.
الخط العام: الحجاب شرط، والنقاب سنة أو مستحبّ عند أكثرهم لا فرضًا، والقرار داخل البيت مسؤولية الرجل بوصفه قيمًا على الأسرة، مع تنبيه أن هذا «القوامة» في خطاب المتشددين تُقرأ بمعنى الرئاسة والمسؤولية لا بمعنى التسلط. أما عمل المرأة وتعليمها فمحلّ تفصيل واسع: فمنهم من يجيزهما بضوابط الحجاب والاختلاط، ومنهم من يشدّد فيمنع الخلوة والسفر بغير محرم، والخلاف في هذا الباب أوسع داخل التيار من الخلاف في العقيدة نفسها، وهذا شيء يغفله من يتحدث عنهم كصوت واحد. وفي البلدان ذات المشروع الإصلاحي الرسمي تراجع التشدد عند من يخضع للتوجيه الرسمي، وبقي قائمًا عند المستقلين.
التعليم هو الميدان الثاني: مدارس تحفيظ القرآن، والمدارس الخاصة، وفصول الشريعة في الجامعات، والمناهج الرسمية في بعض البلدان، ومنصات التعليم المنزلي. وفيها تقع أكثر صدامات الدولة مع التيار: من يضع المقرر؟ ومن يختار الكتاب؟ ومن يُجيز المعلم؟ وقد ظهرت هذه المعركة بوضوح في السعودية وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وفي البلدان التي أدرجت مادة «التربية الإسلامية» في التعليم الرسمي.
الموقف الغالب: تحريم التصوير (مضاهاةً للخلق في نظرهم) وتحريم الغناء والموسيقى وأكثر ما يظهر على الشاشات، وهذا الحظر يخلق إشكالية عملية كبرى: وسائل التواصل اليوم كلها صورة وفيديو، وخطابهم يتحرك في هذه المواقع بأعلى كثافة. ولذلك ظهرت في العقد الأخير اجتهادات متدرّجة: من يفرّق بين ما يُلهي عن الواجب وما يُباح، ومن يتساهل في الأناشيد والبرامج الأصلية، ومن يبقى على المنع الأصلي، وهذا النوع من النقاش هو نفسه موضوع نقدهم الداخلي: كيف تقود أكبر حملة دعوية رقمية بأدوات تُفتي نفسك بحرمتها؟
من أكثر ما يربك القارئ مسألة «الولاء والبراء». والأصل عندهم أن البراءة من الكفر لا تعني الإساءة إلى أهله، وأن البرّ والمعاملة والإحسان مشروعان، وأن الفرق بين «البرّ» و«التولّي» فرق دقيق: الأول معاملة في الظاهر، والثاني موالاة في القلب والدين. لكن هذا التفريق الدقيق هو نفسه موضع الخطر في الخطاب: فمن انزلق إلى التكفير إنما بدأ من توسيع معنى «المولاة» حتى صار التعامل العادي داخلًا فيه. ومن هنا كانت هذه المسألة هي الجسر الذي عبر عليه كثير من الشباب من التدين المحافظ إلى الانخراط في التنظيمات المسلحة، ولذلك يعدّها الدارسون من أخطر المداخل في الخطاب — لا على الآخر، بل على صاحبه نفسه.
| المسألة | الموقف الغالب | مواضع الخلاف الداخلي |
|---|---|---|
| الحجاب | واجب بالغالب قولًا واحدًا | النقاب سنّة أم فرض؟ |
| عمل المرأة | جائز بضوابط | بقدر الضرورة أم الأمر راجع إلى الأسرة |
| الموسيقى والتصوير | تحريم في الغالب | تفريق بين الترفيه الذي يُلهي والمباح |
| الاحتفالات والمواسم | بدعة | درجات ومناقشات في التسامح |
| التعامل مع غير المسلمين | معاملة وإحسان بلا موالاة | حدود الموالاة في النظام السياسي |
| الإعلام والدراما | رفض عام | الاستفادة منه لدعوة ودعاية |
| التصويت والانتخابات | منع أو تحفّظ | خاضع للمصلحة في كل بلد |
يأتينا النقد على التيار من ثلاث جهات مختلفة: من المذاهب الإسلامية الأخرى (عقيدةً ومنهجًا)، ومن الدارسين والباحثين في العلوم الاجتماعية (تاريخًا وسياسةً)، ومن الناقدين الحقوقيين والنسويين (مجتمعًا). ولكل جهة منطقها الخاص وأدواتها؛ وخلطها في وعاء واحد هو عادة إعلامية، لا منهج علمي. وهذا الفصل يعرض سبع جبهات، وكل جبهة بأقوى صيغتها لا بأضعفها.
أقوى صيغة هذا النقد كما يصوغه الأشاعرة أنه: إذا كان الله «لا يشبه شيئًا»، فلا بد من إعمال التأويل في النصوص التي ظاهرها يشبه صفات المخلوقين، وإلا لزم نسبة الأعضاء والجسمانية إليه. ويستشهدون بالنصوص التي تُنسب إلى الفِرَق المشبِّهة، وببعض عبارات المُفرِطين من المنتسبين إلى التيار، ليقولوا: هذا هو المآل الطبيعي لمبدئكم. وأما جوابهم فهو التفريق الذي ذكرناه: «لا كيف ولا تشبيه» — أي أن إثبات ما أثبته النص مع نفي المماثلة قول محكم في التنزيه، وأن التأويل نفسه تعطيل وإبطال لمقتضاها. وقد رأينا سابقًا أن مقصود الجبهة الحقيقي هو: أيُّ المسلكين أصون للتنزيه: إثبات بلا كيف، أم تأويل المعنى؟ وهو سؤال لم يُحسم في ألف سنة وسيبقى مفتوحًا.
هذا نقد يأتي من داخل السنة أكثر من خارجها: أن الخطاب السلفي المعاصر كثيرًا ما يتعامل مع اجتهاداته في العقيدة كأنها يَقينيات قطعية، ويحوّل ما كان محلّ خلاف بين الأمة إلى قائمة علامات إيمان وكفر، فيضيق على المخالف ويُخرجه من أهل السنة، وهذا في نظر الناقد مخالف لورع السلف الذي يُدَّعى الاتباع له. ويُضاف إليه ما هو أخطر منه عمليًّا: التصدّر بغير علم. فقد وسّعت الرقمنة سلّم الترقّي، فصار شابّ يحفظ متنًا ويشرحه للناس قبل أن يتعلّم أدب الفتوى، وهذا ليس مقتصرًا على التيار لكنه وجد فيه بيئة طيبة الانتشار بسبب قلّة المؤسسات الجامعة.
يقول الناقد: كيف تُوصف دعوة تُنسب إلى الإصلاح الديني، وبينها وبين أشهر وقائعها حملات عسكرية على القبائل والمدن، وتكفير جماعات من المسلمين، وهدم لمشاهد ومزارات، ومسّ لمشاعر دينية لها حرمتها عند غيرها؟ ثم يضيف أن هذا ليس حكمًا على زمان بقدر ما هو سؤال عن قراءة ثابتة للتاريخ تُستدعى اليوم لتبرير مواقف معاصرة. ويعرض المدافعون من ناحيتهم أن تلك الوقائع جرت في عصر مزنّر بالفراغ السياسي والحروب القبلية المستمرة، وأن قيادات سياسية كانت شريكة في القرار لا الدعاة وحدهم، وأن ما يُنسب إلى الدعوة من تعميم لا يُقبل لأن فيه خلطًا بين ما وقع فعلًا وما تُروى به الحكاية. الخلاصة: الوقائع معطاة، لكن دلالتها تتباين بتباين مقدمات المفسّر.
الادعاء أن السلفية تمثّل حاضنة فكرية للعنف المُسلّح، لسببين: الأول متوقّع وهو وجود خطاب يبرّر التكفير والقتال، والثاني وهذا خطير — أن الخطاب الأكثر هدوءًا هو الذي يُنتج العنف بإغفاله؛ بمعنى أنه يعلّم الشباب قطيعة ثقافية مع «الآخر» ثم يتركهم في المجال بلا آليات سياسية ولا تصريف مشروع لغضبهم أو غيره، فيصبّ كثير من هؤلاء غضبهم في العنف المسلح بدل قنوات سلمية. ويجيب المدافعون بأن أشدّ الناس مواجهةً للجهادية كانوا من الدعاة والمرجعيات أنفسهم، وبأن عدد المنخرطين في العنف لا يُقاس إلى عدد المنتسبين، وبأن العنف في بعض البلدان يعود إلى أوضاع احتلال وأزمات اقتصادية وصراعات سياسية لا إلى مذهب بعينه.
يشير الناقد إلى ما يعتبره تراكمًا من مظاهر التضييق: تحريم أنواع من الترفيه والفنون، وتشديد في اللباس والسكن والمعاملات، ودعوات إلى إقصاء الممارسات الشعبية، وحالات عنف شديدة في مسائل اجتهادية كفرض الوصاية على النساء، وكراهية غير المسلمين في القلوب. والجانب الأهم في هذا النقد أن بعض هذه المظاهر لا ينشأ في داخل الدين بل في داخل منظومة السلطة الاجتماعية: ففي المناطق التي تسود فيها المعايير الأخلاقية لهذا الخطاب، يُضغط على المخالفين اجتماعيًّا، وقد يتحوّل الأمر إلى ما يشبه «شرطة أخلاق» شعبية لا رسمية. ويُقابَل هذا بالقول: إنه لا يجوز القياس بأشد الأنماط ولا بأفظعها، وأن في بعض المجتمعات التي ينبع منها كثير من الناقدين ذاتها مظالم أشد.
أقوى صيغة لهذا النقد لا تتوقف عند الحجاب، بل عند بنية القوامة نفسها: إحالة القرار الأسري إلى الرجل، وتقييد السفر والعمل والزواج، ورفض القوانين الوضعية في الأحوال الشخصية، والموقف من الأقليات الدينية — وكلها في نظر الناقد تُظهر أن المسألة بنية لا تفصيل، وأن أثرها المتراكم انتظام في الضرر لا حماية. ويردّ فريق من الداخل بأن كثيرًا مما يُنسب إلى النصوص من مظالم إنما هو من صناعة التقاليد والجهل في بعض البلدان، لا من الدين نفسه. وتصل هذه المناقشة إلى صلب مشروعية المرجعية ودورها في الأسرة والمجتمع، والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن في داخل السلفية تيارات تقلّل من ذلك المضمون وتخالف المتشدد فيه.
هذه جبهة أكاديمية أكثر من غيرها: أن كلمة «السلفية» صارت عنوانًا جامعًا لظواهر لا تجمعها إلا الحدود المصطنعة. فهي تُستخدم لتدلّ في وقت واحد على: مدرسة عقدية قديمة، وحركة إصلاحية في القرن التاسع عشر، وتيار محافظ في السياسة، وجماعة مسلحة، وسلفية باسم النفط، وطالب في إقليم نيجيري لا يعرف من الجزيرة شيئًا. ويضيف الناقد أن الخلط يتيح لكل طرف أن يحمّل الكلمة ما يشاء: المدافع يتبرّأ بسهولة من نسبة جماعة مسلّحة إليه، والناقد يُحمّله نتائج أعمال قد يكون قد حذّر منها. ولا شك أن استعمال «السلفية» بوصفها مرادفًا لـ«التطرف» أو «الإرهاب» عادة إعلامية خاصة لا أثر لها في البحث.
| الجبهة | من يوجهها غالبًا | وزنها كما يقدّرها الباحثون |
|---|---|---|
| العقيدة (تجسيم) | الأشاعرة والمعتزلة | خلاف نظري حقيقي لكنه تاريخي وقديم |
| المنهج (القطع والتصدر) | نقاد من داخل السنة | حجّة قويّة موضوعيًّا، وطرفاها يشتركان فيه |
| التاريخ (القسوة النجدية) | المؤرخون ونقاد الحركة | وقائع مسلّمة، وتأويلها محلّ نزاع |
| السياسة والأمن | باحثون أمنيون وحقوقيون | يحتاج تفريقًا بين العقيدة والحركة والعنف |
| الاجتماع (التضييق) | كتّاب ومثقفون ودوليّون | تشتغل فيه المبالغة كثيرًا في الجانبين |
| المرأة والحقوق | نقاد حقوقيون ونسويون | أقوى في الدلالة على الممارسة منها على النص |
| التصنيف (الاسم) | علماء الاجتماع والمؤرخون | نقد إجرائي صائب، لكنه لا ينفي وجود الظاهرة |
لا يصحّ تقويم الظاهرة بالاستماع إلى خصومها فقط. وهذا الفصل يعرض دفاع المدافعين بأقوى صيغه، ولا يُقصد به تبنّي حججهم إنما يكون مقدمة ضرورية للفصل الثالث عشر (الترجيح). ويأتي الدفاع على أربعة مستويات: مستوى مفاهيمي، ومستوى نصّي في اللاهوت، ومستوى تاريخي، ثم مستوى أمني/أخلاقي؛ وسنضيف قسمًا خامسًا لما يعترف به المدافعون أنفسهم.
خط الدفاع الأول التمييز بين المنهج وبين المنتسبين إليه: قائمة المبادئ شيء، وسلوك من يدّعيها شيء آخر. ويقول المدافعون إن محاكمة مذهب بممارسات أفراده لا تخرج عن مغالطة معروفة، وقد أُسيء استعمالها في حق مذاهب وأديان كثيرة، وأن الأعدل أن يُقاس المنهج بنصوصه وبما يقرّره علماؤه المعتمدون، ثم يُقاس المخطئ بخطئه وحده. وأقوى اعتراض على هذا الدفاع أن الخصم لا يزعم محاسبة الأفراد، بل يزعم أن المنظومة الفكرية نفسها هي التي تُنتج هذا السلوك وتوفّر له لغة التبرير.
يردّ السلفي على الجبهة العقائدية بأن التأويل الذي يُدَّعى أنه صون للتنزيه هو في الواقع تحكيم للعقل لا بيان للنص، وأنه إذا كان اللفظ ظاهرًا فحملُه على المجاز مفتوح لكل أحد بحسب ما يقضي به عقله، ويصير النص بلا ضابط. ويستشهدون بأن الأئمة الذين عُرضت عليهم مسائل الصفات في العصور الأولى نُقل عنهم إمرار النص مع نفي التكييف لا تأويلُه. ويضيفون أن التنزيه الحقيقي هو أن نُثبت لله ما أثبته لنفسه ونُسلّم بأن لا نعلم كيف. وهذا هو بيت القصيد في الخلاف: هل التنزيه بالمعنى أو بالتعطيل؟ وقد رأينا أن المسألة تبقى إلى أبعد مدى محلّ نظر.
يقول المدافعون: قيسوا هذا التيار بمساهمته لا بأخطائه. فهو من أول من خدم علم الحديث في القرن العشرين وأعمال التخريج والتحقيق، ومن بناء دور العلم والجامعات والمكتبات في كثير من البلدان، ومن التعليم المجاني والرعاية الصحية في مواضع كثيرة، ومن صناعة مناهج وأشخاص حرّكوا التدين في بلدان لم تكن فيها للحكومات أموال ولا مؤسسات. وحتى لو تُنوزع في قيمة بعض هذه التفاصيل، فإن الرصيد لا يُنكر: قياس التيار بما بنى يُعطي نتيجة مختلفة تمامًا عن قياسه بأخطاء بعض أتباعه.
هنا يقدّم المدافعون أقوى أوراقهم: أن أشدّ الناس وأقواهم بيانًا ضدّ التكفير والتفجير وقتل المستأمنين والمعاهدين كان من داخل التيار نفسه، وأن أوسع جهاز فقهي صدر في السنوات الأخيرة لتحريم العمليات المسلحة في البلاد التي يُقيم فيها المسلمون إنما هو من قمم المرجعيات السلفية، ولو تتبّعت فتاواهم لوجدت تحريمًا صريحًا لقتل الأجانب في بلادهم، وللمشاركة في القتال بغير إمارة، ولتكفير المعيّن بغير تحقّق. ومقصودهم من ذلك أن وصم الماضي يُلغي الحاضر، وأن جزءًا صغيرًا لا يُحمَّل مسؤولية الكل.
| الجبهة | أقوى دفاع | ما يبقى بعد الدفاع |
|---|---|---|
| العقيدة | التفريق بين الإثبات والتكييف | الخلاف نظري مستمر على معنى التأويل |
| المنهج | رفض التقليد الأعمى والدعوة للاجتهاد | القطعية في مسائل ظنّية واقع داخل التيار |
| التاريخ | الوقائع تُقرأ في سياقها وتُقيَّم بعدمها لا بمفرقها | لا تسقط المسؤولية كلها بمجرد شرح السياق |
| الأمن | فتاوى تحريم صريحة وبرامج مناصحة | العنف ما زال يجد مادته الفكرية من بعض الخطاب |
| المجتمع | رفض مقارنة التشدّد الجاهلي بالمنهج بالعملية | التضييق العملي ما زال واقعًا في بعض المجتمعات |
| المرأة | للمرأة حماية وكفالة في منهجه | الأثر العملي لا يزال موضوع خلاف حقيقي |
| التصنيف | وجود الظاهرة أقوى من فوضى التسمية | دقة الاستخدام شرط لعدالة الحكم |
هذا الفصل هو لبّ التقرير: أن يُقارن كل محور خلافي على حدة، بحيث يُفصل فيه بين ثلاثة أشياء: ما يثبت بالتوثيق، وما يبقى محلّ نزاع مشروع، وما يبنيه الطرفان على المقدمات لا على الوقائع. والترجيح هنا ليس فتوى ولا حكمًا شرعيًّا ولا قرارًا سياسيًّا، بل خلاصة قراءة تحليلية لما تقدّم في الفصول السابقة.
| المحور | ما يمكن تأكيده | ما يبقى محلّ نزاع |
|---|---|---|
| مذهب أم حركة أم تيار؟ | المستويات الثلاثة قائمة: عقدية، وحركية، وتصنيفية | هل تصلح التسمية الواحدة لجميع من تُطلق عليهم |
| علاقة الوهابية بالسلفية | الدعوة النجدية فرع تاريخي في عائلة أوسع، ولها امتياز الارتباط بمشروع دولة | هل كل سلفي وهابي، وهل كل من يرفض اللقب خارج عنها |
| الجهادية: ابن أم دخيل؟ | خطابها بُني في مرحلة محدّدة بعد ١٩٧٩، ولها نصوص مستقلة | هل ينتجها المنهج حتمًا أم ينتجها السياق السياسي |
| الصفات: التجسيم أم التنزيه | الخلاف قائم على قواعد في التأويل والإثبات | الحكم على قول المخالف بأنه تشبيه أو تعطيل |
| التكفير | النصوص الأصولية تقيّده بشروط وموانع | الممارسة الفعلية في بعض البيئات أوسع من النص |
| السلطة والخروج | الغالب في التاريخ هو منع الخروج المسلّح | حدود الاستثناء وقواعد تحقّق شروطه |
| العمل السياسي | لا قول واحد، والتحولات واقع بين ٢٠١١ و٢٠١٦ | هل المشاركة مصلحة أم تسوية عقائدية |
| الأثر الاجتماعي | وجود تضييق فعلي في بعض البيئات | قياسه على التيار كله ونسبته إليه |
| الأعداد والنسب | لا إحصاءات دينية موثوقة | كل رقم متداول هو تقدير قابل للنقض |
| الاستخدام الإعلامي | الكلمة تُستعمل فضفاضة بمعانٍ متداخلة | هل هذه الفوضى ناتجة عن تعقيد الظاهرة أم مقصودة |
النتيجة الأولى: التيار ليس كتلة واحدة، ولا هو مذاهب منفصلة. فيه عقيدة مشتركة راسخة، وفيه مسارات سياسية تتناقض أحيانًا تناقض العداء، وفي بعض البيئات يتشارك أفراد في العقيدة ويختلفون في الموقف من الحكومة وفي الجهاد والتصويت والجمعيات. ومن ثم فإن كل حكم يُطلق من نوع «السلفية تفعل» أو «السلفية تقول» هو حكم في الغالب غير دقيق، لأن فاعله في كل مرة فئة معيّنة يمكن تسميتها.
النتيجة الثانية: المفاهيم لا تُقاس بسلوك المنتسبين، لكن الأفكار تُقاس بنتائجها. هذا تركيب بين دفاع المدافعين ونقد الناقدين: صحيح أن جماعة صغيرة مسلّحة لا تُلزم العقيدة كلها، وصحيح أيضًا أن الخطاب الذي يُنتج ثقافة القطيعة والتكفير يتحمّل نصيبه. والخطر لا يكون في العقيدة وحدها بل في بنية المنع المفتوحة التي يستطيع كل متصدّر أن يوسّعها كيف يشاء.
النتيجة الثالثة: لا يُفهم التيار بلا سياق الدولة والمال والصراع. فالقول بأن السلفية «دين» فقط خطأ، والقول بأنها «سياسة» فقط خطأ آخر. هي مشروع عقدي تعليمي عمل في بيئات سياسية واقتصادية مختلفة، فتنوّعت نتائجه بحسب البيئة لا بحسب الأصل وحده؛ ولهذا تجد البلد الواحد ينتج اتجاهين متعارضين من التصنيف نفسه، ولذلك أيضًا تتغيّر المواقف بتغيّر الدولة لا بتغيّر النص.
لا تُقرأ الظاهرة اليوم كما كانت سنة ١٩٩٠، بل انتقلت في ربع قرن من موقع «الخطاب الذي تعتمد عليه دول» إلى موقع «الخطاب الذي تتنافس الدول في تنظيمه وتقييده». ويمكن وصف أبرز التحولات الراهنة في ست نقاط، مع التنبيه أن هذا الفصل يعتمد على اتجاهات عامة أكيدة أكثر من اعتماده على أرقام أو أحداث يمكن أن تتغير بين طبعة وأخرى.
شهدت السنوات الأخيرة تحوّلًا في الخطاب الرسمي نحو ما تُسمّيه الدولة «الاعتدال» و«الوسطية»، وهو تحوّل ترافق مع تقييد تدريجي لصلاحيات مؤسسات كانت تُشرف على السلوك العام، وتوسيع لحقوق المرأة في العمل والتنقل، وتراجع عن قيود على الترفيه والفنون، وتشديد على من يتجاوز الخطاب الرسمي. وفي الأدبيات الأكاديمية استُخدم لوصف هذه الظاهرة مصطلح «ما بعد السلفية» (Post-Salafism)، ورصدت دراسات منشورة بعد ٢٠٢٢ تحولات في الخطاب الديني الرسمي: من الانشغال بالتكفير والبدع إلى الانشغال بالهوية الوطنية والوسطية والانفتاح الاقتصادي. والقراءة المتوازنة تقول إن الأثر أعمق عند المؤسسة الرسمية وأقلّ عند القواعد، غير أنه أخرج المرجعيات السعودية من موقع «من يُصدر الأحكام إلى العالم» إلى موقع «من يدير ملفًّا محليًّا». وقد كان لهذا انعكاس مباشر على شبكات التجنيد والفتوى ودورات العلم في المحيط العربي.
لم تنسج دول الخليج الأخرى النسيج نفسه. فبعضها تبنّى خطابًا مؤسسيًّا يُعلي «الوسطية» ويشترط ترخيصًا للخطاب الديني. وبعضها حافظ على هامش أوسع للتنظيم والمناهج. وبعضها يجمع بين تقييد الإعلام وتحفّظ في الشأن الديني. والنتيجة أن الفضاء السلفي الخليجي اليوم أكثر تمايزًا سياسيًّا مما كان قبل عقدين، وهذا التمايز نفسه يزيد من إشكال التصنيف.
ظلّت بؤر الصراع المحلي بيئة تستدعي الخطاب وتدعمه. في اليمن تراجعت حركية بعض المراكز التعليمية بعد الصراع، وبرز حضور فاعل لجماعات ذات مرجعية سلفية في المعادلة العسكرية. وفي سوريا أنتج الصراع بعد ٢٠١١ تشكيلات مسلّحة متعددة، شهد بعضها انتقالات تنظيمية وتحولات في التحالف، وهي اليوم في أوضاع إعادة ترتيب. وفي العراق كان للخطاب السلفي حضور ضيق رسميًّا وواسع شعبيًّا في بعض المناطق، مع تقيّد بالسياق الأمني. والخلاصة أن الحرب لا تُنتج مذهبًا جديدًا، لكنها تسرّع تفتّته إلى أشكال لا يمكن تصنيفها بسهولة.
أهم تحوّل بنيوي في العقد الأخير لا يتعلق بالعادة السياسية بل بالديموغرافيا: فنسبة الشباب في بلدان أفريقيا وآسيا مرتفعة جدًّا، وفي هذه الفئة العمرية انتشر التعليم الديني المجاني وجمعيات المعونة والمساجد الصغيرة، وهي شبكات تجذب الشباب في ظل ضعف مؤسسات الدولة ومغريات المدن وندرة العمل. ومن هنا فإن الخطاب الجهادي انحسر في بعض ساحات الشرق الأوسط، واتسع في مناطق من أفريقيا (الساحل والصومال تحديدًا)، وفي حين ضخّت بعض دول الخليج التمويل سابقًا، فإن نمو التيار اليوم يعتمد أكثر على قواعده السكانية المحلية لا على التمويل وحده.
في أوروبا تغيّر شكل الظاهرة: فقد دخلت أجيال جديدة من شباب مسلمين إلى الخطاب السلفي ثم خرج بعضهم منه، وأصبحت الوحدة الأساسية للتحليل عند الباحثين ليست المسجد ولا التنظيم بل الشخص. فمنهم من تمسّك، ومنهم من مزج العقيدة بالمطالب الحقوقية والبيئية والاجتماعية، ومنهم من صار «باحثًا في التراث» لا حاملًا لعقيدته كاملة، ومنهم من اكتفى بالإيمان الثقافي والانتماء دون التزام مذهبي صارم. والمشرّعون الأوروبيون من جهتهم مشغولون بمعادلة صعبة: تشديد الإجراءات الأمنية قد يخلق مزيدًا من العزلة، والتسامح قد يُنظر إليه باستهانة، فتركوا في الغالب للمجتمعات المدنية إدارة التفاصيل.
هذه قائمة بأهم ما ورد في التقرير، مع تعريف مختصر بلغة غير متخصصة، لمن يحتاج مرجعًا سريعًا أثناء القراءة.
| المصطلح | معناه باختصار |
|---|---|
| السَّلَف | الجيل الأول من الصحابة والتابعين ومن تبعهم؛ والمقصود عند التيار: المرجعية في فهم النص. |
| السلفية | تسمية حديثة لمذهب عقدي ومنهج فهم؛ تُستعمل أيضًا لحركة إصلاحية ولتصنيف تحليلي. |
| أهل الحديث / أهل الأثر | المدرسة التي تأخذ الاعتقاد من النصوص والروايات لا من المقولات الكلامية. |
| الأثرية | وصف لمن يقدّم الأثر (الحديث والرواية) على النظر العقلي في العقيدة. |
| الحنبلية | مذهب فقهي منسوب إلى أحمد بن حنبل، ويُستخدم أحيانًا للدلالة على الاتجاه الأثري عمومًا. |
| الوهابية | تسمية خارجية للدعوة النجدية المنسوبة إلى محمد بن عبد الوهاب؛ يرفضها أنصارها. |
| الأشعرية | مدرسة كلامية سنّية تُقدّم العقل في مسائل وتؤول بعض الصفات. |
| الماتريدية | مدرسة كلامية قريبة من الأشعرية، تنتشر في بلاد المشرق وآسيا الوسطى. |
| المعتزلة | مدرسة عقلانية قديمة تجعل العقل أصلًا، وتقول بخلق القرآن وبالمنزلة بين المنزلتين. |
| الصفات | ما وصف الله به نفسه في النصوص؛ والخلاف في كيف نثبتها ونفهمها. |
| بلا كيف | قاعدة: إثبات المعنى ونفي السؤال عن الكيفية. |
| التأويل | صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مجازي؛ يرفضه التيار في الصفات. |
| التفويض | ترك المعنى لله مع الاقتصار على التلاوة؛ وهذه مسألة خلاف داخل الاتجاه الأثري نفسه. |
| التعطيل | إخلاء الصفة من المعنى — وهي التهمة التي يوجهها السلفيون للمؤولين. |
| التجسيم | إثبات الجسمية لله — وهي التهمة التي يوجهها المؤولون للسلفيين. |
| التكفير | الحكم على شخص أو جماعة بالخروج من الإسلام؛ ويشترط عند أكثر أهل العلم قيام الحجة وانتفاء المانع. |
| البدعة | عمل يُضاف إلى الدين بلا دليل؛ وهو باب الخصومة الأوسع مع الصوفية وأهل الممارسات الشعبية. |
| الولاء والبراء | الموالاة في الدين والبراءة من الكفر؛ ويُفرَّق عند المعتدلين بينهما وبين مجرد المعاملة. |
| الاجتهاد والتقليد | طلب الحكم من الدليل مقابل اتباع قول إمام بلا نظر؛ والتيار يُعلي الأول نظريًّا. |
| المتن | نص مختصر يُحفظ للتعليم؛ مثل متون العقيدة والحديث. |
| الإجازة | ترخيص الشيخ لتلميذه بالرواية والتعليم؛ وهي جوهر سلسلة النقل عندهم. |
| التصفية والتربية | مصطلح مشروع الألباني: تصفية السنة من الدخيل ثم تربية الناس على الثابت. |
| الجامية/المدخلية | لقب للتيار الأشد التزامًا بالسلطة والأبعد عن السياسة والتحزب. |
| السرورية | خط يمزج العقيدة الأثرية بمناهج الحركات الإسلامية السياسية. |
| الجهادية | تيار يبرّر القتال المسلح ويوسّع في التكفير؛ وهي عائلة داخلية انفصلت عن الباقي. |
| ما بعد السلفية | مصطلح أكاديمي لتحولات حديثة: مراجعات، وتفتّت مرجعية، وانفتاح على قضايا جديدة. |
| الوسطية | خطاب وسياسة حديثة تعلي الاعتدال والانفتاح الوطني في مقابل التشدد. |
| السنة | الحدث |
|---|---|
| ٢٤١ هـ / ٨٥٥ م | وفاة أحمد بن حنبل، وصيرورته رمز مدرسة الحديث بعد محنة خلق القرآن. |
| ٧٢٨ هـ / ١٣٢٨ م | وفاة ابن تيمية، أكبر مؤثر في صياغة الأصول التي يبني عليها التيار. |
| ١٧٠٣ م | ولادة محمد بن عبد الوهاب في العيينة بنجد. |
| ١٧٤٤ م | ميثاق الدرعية بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب. |
| ١٧٩٢ م | وفاة محمد بن عبد الوهاب بعد قيام الكيان السياسي الداعم للدعوة. |
| ١٨١٨ م | سقوط الدولة السعودية الأولى بعد حملة إبراهيم باشا. |
| ١٨٢٤–١٨٩١ م | الدولة السعودية الثانية في نجد. |
| ١٩٠٢ م | استرداد عبد العزيز بن عبد الرحمن الرياض وبداية الدولة الثالثة. |
| ١٩١٤ م | ولادة محمد ناصر الدين الألباني في سوريا (ت ١٩٩٩). |
| ١٩٢٦ م | تأسيس جمعية أنصار السنة المحمدية في مصر. |
| ١٩٣٢ م | إعلان المملكة العربية السعودية. |
| ١٩٦١ م | إنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، أهم محطة تعليمية للتيار. |
| ١٩٧١ م | إنشاء هيئة كبار العلماء في السعودية. |
| ١٩٧٣ م | ارتفاع أسعار النفط ومنح قدرة تمويلية ضخمة للنشر والدعوة. |
| ١٩٧٨ م | تأسيس حركة إزالة في نيجيريا، وأول مجموعات الجهاد في أفغانستان. |
| ١٩٧٩ م | احتلال المسجد الحرام، والثورة الإيرانية، والغزو السوفيتي لأفغانستان. |
| ١٩٨٢ م | المواجهة المسلحة في حماة بسوريا وانعكاساتها على الخطاب. |
| ١٩٨٨–١٩٨٩ م | انتهاء الحرب الأفغانية ومقتل عبد الله عزام، وعودة المقاتلين إلى بلدانهم. |
| ١٩٨٩ م | تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر. |
| ١٩٩٠–١٩٩١ م | حرب الخليج وبداية انشقاق «الصحوة» السعودية. |
| ١٩٩٢ م | إلغاء الانتخابات الجزائرية وبداية الصراع المسلح. |
| أواخر التسعينيات | إعلان تنظيم القاعدة وتوسّع شبكاته. |
| ٢٠٠١ م | هجمات سبتمبر وبداية مرحلة أمنية جديدة عالميًّا. |
| ٢٠٠٣ م | تفجيرات المغرب وإعادة تنظيم الحقل الديني هناك. |
| ٢٠١١ م | الثورات العربية وصعود أحزاب ومشاركات سلفية في الانتخابات. |
| ٢٠١٢ م | تصاعد الصراع السوري وتشكل تشكيلات مسلحة ذات مرجعية سلفية. |
| ٢٠١٤ م | إعلان «الخلافة» واستقطاب جماعات جهادية، ثم انفصالها ونزاعاتها. |
| ٢٠١٦ م | تقييد صلاحيات مؤسسة الأمر بالمعروف في السعودية ضمن حزمة إصلاحات. |
| ٢٠١٧–٢٠١٩ م | انهيار السيطرة الميدانية لتنظيم «داعش» وتشتّت مقاتليه. |
| مطلع العشرينيات | اتساع الحضور الجهادي في بعض مناطق الساحل الأفريقي والصومال. |
| ٢٠٢٠ وما بعدها | تراجع وزن المركز التقليدي، وصعود قواعد محلية، ورقمنة المرجعية، ودراسات «ما بعد السلفية». |
ما لا يفعله هذا التقرير: لا يصدر حكمًا شرعيًّا على أي فرقة أو جماعة، ولا يرجّح بين الأقوال في مسائل الاعتقاد، ولا يقدّم فتوى. وهو وصف لبنية الظاهرة وتاريخها، وتصنيف لمواقفها، لا حكم عليها.
محدودية الأرقام: لا توجد إحصاءات دينية دقيقة في معظم البلدان، وكل رقم عن أعداد المنتسبين أو نسبهم هو تقدير مبني على مؤشرات غير مباشرة. من أراد رقمًا فليطلبه من مصدره مع تاريخه وطريقة قياسه.
تباين المصادر: ثمة فرق كبير في الحجية بين النص الأصلي الذي يصدره التيار (رسالة أو فتوى)، والدراسة الأكاديمية المحكّمة، والتقرير الصحفي، والمنشور الرقمي. هذا التقرير يعتمد بشكل عام على الطبقة الأولى والثانية، ويعود إلى الثالثة والرابعة عند الضرورة فقط، مع تصريح.
حدود التغطية: لم يتناول التقرير كل التيارات الفرعية ولا كل البلدان، ولا الغياب الشيعي والخارجي من الظاهرة، ولا مقارنة تفصيلية بين السلفية ومدارس إصلاحية أخرى (كالإصلاح العقلاني أو المحافظة التقليدية) إلا بالقدر الذي يخدم الفهم. ومن أراد التوسع فهذه بحوث مستقلة.
التحديث المستقبلي: التحولات في هذه المنطقة سريعة، والتقرير موقوف على تاريخ إعداده (أكتوبر ٢٠٢٦). فكل ما فيه من «الحصيلة اليوم» ينبغي أن يُقرأ باعتباره وصفًا لحالة، لا حكمًا نهائيًّا على مسار.
الطبقة الأولى — نصوص التيار نفسها: رسائل محمد بن عبد الوهاب، وفتاوى ومقالات هيئة كبار العلماء ورئاسة البحوث في السعودية، وسلسلة كتب الألباني في التصحيح والتضعيف، وكتابات من يُعدُّون مراجع للخطاب التقليدي المعاصر. قراءتها ضرورية لمن يريد أن يحاكم الخطاب بنصوصه لا بوصفه الإعلامي.
الطبقة الثانية — الدراسات الأكاديمية المحكّمة: عدد من أهم المداخل المتداولة في الدوائر العلمية هي كتاب «Global Salafism» (تحرير روال مِيِر، ٢٠٠٩) وهو مرجع تصنيفي أساسي، ودراسة كوينتان ويكتوروفيتش «تشريح الحركة السلفية» (٢٠٠٦) التي منها جاء تقسيم «أصولي/حركي/جهادي»، وكتاب هنري لوزيير «صناعة السلفية» (٢٠١٦) في تاريخ المصطلح، وكتاب نتوا ديلونغ-باس «إسلام الوهابية» (٢٠٠٤)، وكتاب ديفيد كامينز «الرسالة الوهابية والسعودية» (٢٠٠٦)، ودراسة ستيفان لاكروا عن «الصحوة الإسلامية» (٢٠١١)، وكتاب توماس هيغهامر عن الجهاد في السعودية (٢٠١٠).
الطبقة الثالثة — أدبيات ما بعد ٢٠٢٠: مقال ب. سيناني «ما بعد السلفية: المراجعة الدينية في السعودية المعاصرة» (٢٠٢٢)، ومقال ت. بلان وأ. روا «ما بعد السلفية: من العالمية إلى المحلية» (٢٠٢٤)، ودراسة م.-ع. عدراوي في تصنيف السلفية الأوروبية (٢٠٢٣)، ومقال ج. واجميكرز عن الجهادية في الأردن وسوريا (٢٠١٧)، ودراسة ن. حسن عن التفاعل بين السلفيين والجهاديين في إندونيسيا (٢٠٢٣)، ودراسة ت. تراوتيغ وغ. إير عن «السلفية الهادئة» في الجزائر وليبيا (٢٠٢٣)، وورقة غ. إير عن السلفية والدولة في المغرب (٢٠٢٤)، ودراسة م. فارقوهار عن الجامعة الإسلامية بالمدينة ودورها في نشر الدعوة (٢٠١٣/٢٠١٦).